ابن ميثم البحراني

227

شرح نهج البلاغة

« رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » ( 1 ) ولفظ الحجج مستعار ، ووجه المشابهة أنّه لمّا كان ظهور الرسل قاطعا ألسنة حال الظالمين لأنفسهم في محفل القيامة عن أن يقولوا « رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ونَخْزى » ( 2 ) أشبه الحجّة القاطعة فاستعير لفظها له ، وبإسفارها وظهورها إلى إشراق أنوار الدين عن نفوسهم الكاملة على نفوس الناقصين وهو استعارة أيضا ، وأشار ببروز عذر الكتب إلى ظهورها أعذارا للَّه إلى خلقه بتخويفهم وترغيبهم وإرشادهم إلى طريق النجاة ، وإسناد الأعذار إلى اللَّه تعالى استعارة من الأقوال المخصوصة الَّتي يبديها الإنسان عذرا لأفعال اللَّه وأقواله الَّتي عرّف خلقه فيها صلاحهم وأشعرهم فيها بلزوم العقاب لهم لو لم يلتفتوا إليها . وباللَّه التوفيق . 79 - ومن كلام له عليه السّلام في صفة الدنيا مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وآخِرُهَا فَنَاءٌ - فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ وفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ - مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ - ومَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ ومَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ - ومَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ ومَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ - ومَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ قال الشريف : أقول : وإذا تأمل المتأمل قوله عليه السّلام « من أبصر بها بصرته » وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد ما لا تبلغ غايته ولا يدرك غوره ، ولا سيما إذا قرن إليه قوله « ومن أبصر إليها أعمته » ، فإنه يجد الفرق بين « أبصر بها » و « أبصر إليها » واضحا نيرا وعجيبا باهرا أقول : العناء : التعب ، وقد ذكر للدنيا في معرض ذمّها والتنفير عنها أوصافا عشرة : الأوّل : كون أوّلها عناء وهو إشارة إلى أنّ الإنسان من لدن ولادته في تعب

--> ( 1 ) 4 - 163 ( 2 ) 21 - 134